أبو علي سينا

300

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

لما تقرر أن علم الأول تعالى فعلي ذاتي - أشار إلى إحاطته بجميع الموجودات [ 1 ] - فذكر أنه يعقل ذاته بذاته - لكونه عاقلا لذاته معقولا لذاته - على ما تحقق في النمط الرابع - ويعقل ما بعده يعني المعلول الأول - من حيث هو علة لما بعده - والعلم التام بالعلة التامة - يقتضي العلم بالمعلول - فإن العلم بالعلة التامة - لا يتم عن غير العلم بكونها مستلزمة لجميع ما يلزمها لذاتها - وهذا العلم يتضمن العلم بلوازمها - التي منها معلولاتها الواجبة بوجوبها - ويعقل سائر الأشياء التي بعد المعلول الأول - من حيث وقوعها في سلسلة المعلولية النازلة من عنده - إما طولا كسلسلة المعلولات المترتبة المنتهية إليه - في ذلك الترتيب أو عرضا - كسلسلة الحوادث ( 70 ) التي لا تنتهي في ذلك الترتيب إليه - لكنها تنتهي إليه من جهة كون الجميع

--> [ 1 ] قوله « أشار إلى احاطته بجميع الموجودات » المطلوب أن اللَّه تعالى عالم بجميع الموجودات وذلك لأنه عالم بذاته وذاته علة لجميع الموجودات والعلم بالعلة يقتضى العلم بالمعلول لان العلم التام بالعلة هو العلم بها من جميع الوجوه . ومن تلك الوجوه كونها مستلزمة للوازم . وذلك يتضمن العلم باللوازم فيكون اللَّه تعالى عالما بجميع الأشياء لأنها معلولة لازمة له اما طولا كالمعلولات المترتبة المنتهية إليها ، واما عرضا كسلسلة الحوادث . فإنها لا ينتهى اليه في الطول إذ قبل كل حادث حادث لا إلى أول ؛ بل في العرض فان كل واحد من الحوادث لامكانه مستند اليه بالوسايط . واعلم أن استدلال القوم على هذا المطلوب هو ان اللَّه تعالى عالم بذاته ، وذاته علة لجميع الأشياء ، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيكون اللَّه تعالى عالما بجميع الأشياء . فورد عليه انه ان أريد أن العلم بالعلة من حيث ذاتها المخصوصة يوجب العلم بالمعلول فهو ممنوع ولا دلالة عليه ، وان أريد العلم بالعلة من حيث إنه علة للمعلول موجب للعلم به فهو باطل لان العلم بكونه علة للمعلول موقوف على العلم بالمعلول . فامتنع ان يكون موجبا له وعلة . ففسر الشارح العلم بالعلة بالعلم التام ، وغير عبارة الايجاب إلى الاقتضاء تعاديا من ورود الاشكال ؛ لكن لو لم يمنع كون اللَّه تعالى عالما بذاته من جميع الوجوه فلا مانع من ايراد المنع من غيره مع أن تلك القاعدة مستعلمة عند القوم في ساير الموارد فلا يتم كلامهم فيها أصلا . فالصواب : أن كلامهم هو أن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول لان العلم التام بالعلة موجب ، والعلم بهذه المقدمة ضروري . ولا يشك عاقل في أن من علم جميع علل وجود شئ علم وجوده ، ومن علم جميع علل عدم شئ علم عدمه . ولما كان ذاته تعالى علة تامة للمعلول الأول لزم من العلم بها العلم به ، ثم إنه أوقع اللَّه تعالى علة تامة لغيره فيلزم علمه تعالى به أيضا . وهكذا لما كان اللَّه تعالى عالما بالعلل التامة لجميع الممكنات كان عالما بها قطعا . وسيجئ لهذا زيادة تقرير وتوضيح . م